Politics

الخبر-مساهمة: “سفيرٌ لدى دولة شقيقة!”


كثيراً ما أستحضر قول الشاعر العربي: “مشيناها خطىً كُتبت علينا، ومن كتبت عليه خطىً مشاها”، خاصة عندما أستقل الطائرة وقد تشرفتُ بتكليفي بالعمل سفيراً لبلادي لدى إحدى الدول الصديقة أو الشقيقة مستشعراً ثقل الأمانة وحجم المسؤولية، بل وكثيراً ما ينتابني حينها شعور ممتزجٌ ما بين التشوق والترقب حيال ما تحمله لي الأيام في تلك الدولة.

من حيث المبدأ، يمكنني القول إن آليات العمل الدبلوماسي تتشابه إلى حد كبير في كافة الدول وبغض النظر عن اختلاف ثقافتها أو لغتها أو توجهاتها. هذا من حيث العنوان العريض طبعاً، إلا أننا إذا أردنا الخوض في التفاصيل، فالأمر مختلف تماماً، ويكاد يكون لكل بلد صبغته الخاصة به، كما أن ثمّة تجربة فريدة تنتظر المرءَ هناك في جوانبها الدبلوماسية والإنسانية.

وتجنباً للإطالة والإغراق في التفاصيل التي قد تثقل على القراء الكرام، فإنني سأقتصر على الحديث في هذا السياق عن الشق الإنساني لتجربتي المهنية كسفير، وإلى أي مدى ستختلف التجربة ما بين العمل سفيراً لدى دولة صديقة أو العمل سفيراً لدى دولة شقيقة. شخصياً وبمنتهى الصراحة، أعترف بأنني لمستُ فرقاً واضحاً بين الحالتيْن، وذلك عندما كنت سفيراً لبلادي في دولة صديقة ثم تشرفتُ باختيار مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز -يحفظه الله- لي لأكون سفيراً لدى الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، في تلك اللحظة حين أبلغتُ بالأمر الكريم، تبادر إلى ذهني ذلك السؤال المُلح حول الفرق بين العمل سفيراً لدى دولة صديقة وبين عملي القادم لدى دولة شقيقة!

كإجابة مباشرة، نعم. في واقع الأمر، ثمة فرقٌ كبيرٌ بين الحالتين، ففي دولة شقيقة كالجزائر، يكاد الحدُّ الفاصلٌ بين الجانب المهني والجانب الإنساني يتلاشى، لأن العلاقة بين الدولتيْن في هذه الحالة لا تقتصر على تبادل المصالح والبروتوكولات الدبلوماسية، وإنما تتعداها لتكتسب بعداً إنسانياً يتوازى مع البعد الدبلوماسي، وذلك في ظل وجود اعتبارات أخرى كأواصر الأخوة وروابط الدين والدم واللغة والثقافة والتاريخ والمصير. هنا في الجزائر على سبيل المثال، عندما يسلم عليك الجزائريُّ – وأياً كان منصبه الوظيفي أو وضعه الاجتماعي– فإنه يِأبى إلا أن يشعرك بمودته الخالصة، ولا يكاد يرى فيك إلا أخاً كريماً قادماً من بلاد لها في قلبه مكانةٌ عزيزةٌ وسامية.

إن العمل في بلد شقيق كالجزائر تجربةٌ ثريةٌ وفريدةٌ وخاصة جداً في جانبها الإنساني لأنها مفعمة بالمودة والمرونة، ومتحررةٌ من قوالب الدبلوماسية الجامدة، وقائمةٌ على استخدام خطاب أكثر عفوية وأكثر صراحة ودفئا ً.. تماماً، كما هو الحال عندما يكون الخطاب بين الأشقاء.

* سفير المملكة العربية السعودية 





Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published.

close